محمد بن جرير الطبري
31
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ يعني بذلك تعالى ذكره : ولو صدق أهل التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وما جاءهم به من عند الله ، لكان خيرا لهم عند الله في عاجل دنياهم ، وآجل آخرتهم . مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ يعني من أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، المؤمنون المصدقون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاءهم به من عند الله ، وهم عبد الله بن سلام ، وأخوه ، وثعلبة بن سعية وأخوه ، وأشباههم ممن آمنوا بالله ، وصدقوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، واتبعوا ما جاءهم به من عند الله . وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ يعني : الخارجون عن دينهم ، وذلك أن من دين اليهود اتباع ما في التوراة ، والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ومن دين النصارى اتباع ما في الإنجيل ، والتصديق به وبما في التوراة ، وفي كلا الكتابين صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ، ومبعثه ، وأنه نبي الله ، وكلتا الفرقتين ، أعني اليهود والنصارى مكذبة ، فذلك فسقهم وخروجهم عن دينهم الذي يدعون أنهم يدينون به الذي قال جل ثناؤه وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ . وقال قتادة بما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ ذم الله أكثر الناس . القول في تأويل قوله تعالى : لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً يعني بذلك جل ثناؤه : لن يضركم يا أهل الإيمان بالله ورسوله ، هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب بكفرهم ، وتكذيبهم نبيكم محمدا شيئا إلا أذى ، يعني بذلك ولكنهم يؤذونكم بشركهم ، وإسماعكم كفرهم ، وقولهم في عيسى وأمه وعزير ، ودعائهم إياكم إلى الضلالة ، ولا يضرونكم بذلك ، وهذا من الاستثناء المنقطع ، الذي هو مخالف معنى ما قبله ، كما قيل ما اشتكى شيئا إلا خيرا ، وهذه كلمة محكية عن العرب سماعا . وبنحو ما قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً يقول : لن يضروكم إلا أذى تسمعونه منهم . حدثنا عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قوله : لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً قال : أذى تسمعونه منهم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً قال : إشراكهم في عزير وعيسى والصليب . حدثني محمد بن سنان ، قال : ثنا أبو بكر الحنفي ، عن عباد ، عن الحسن في قوله : لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً الآية ، قال : تسمعون منهم كذبا على الله ، يدعونكم إلى الضلالة . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ يعني بذلك جل ثناؤه : وإن يقاتلكم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، يهزموا عنكم ، فيولوكم أدبارهم انهزاما ، فقوله : يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ كناية عن انهزامهم ، لأن المنهزم يحول ظهره إلى جهة الطالب هربا إلى ملجأ ، وموئل يئل إليه منه ، خوفا على نفسه ، والطالب في أثره ، فدبر المطلوب حينئذ يكون محاذي وجه الطالب الهازمة . ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ يعني : ثم لا ينصرهم الله أيها المؤمنون عليكم لكفرهم بالله ورسوله ، وإيمانكم بما آتاكم نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ، لأن الله عز وجل قد ألقى الرعب في قلوب كائدكم أيها المؤمنون بنصركم . وهذا وعد من الله تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان نصرهم على الكفرة من أهل الكتاب . وإنما رفع قوله : ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ وقد جزم قوله : يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ على جواب الجزاء ائتنافا للكلام ، لأن رؤوس الآيات قبلها بالنون ، فألحق هذه بها ، كما قال : وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ رفعا ، وقد قال في موضع آخر : لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا فاطر : إذ لم يكن رأس آية . القول في تأويل قوله تعالى : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ يعني بقوله جل